jeudi 11 septembre 2014

التشكيلة الاجتماعية...الحلقة (جديدة) الرابعة

الجزء الثاني: المغرب تحت الاستعمار


أولا : التغلغل الاستعماري قبل 1912

بعد أن تحولت المبادلات الخارجية من قوافل الصحراء إلى المواصلات البحرية، وأصبحت العلاقات التجارية مع أوربا هي الأساسية في التجارة الخارجية المغربية، تحولت موازن القوة في العلاقات الدولية لصالح أوربا القوية بثوراتها الصناعية، والعلمية، والاجتماعية والسياسية وفرضت على المغرب اتفاقات غير متكافئة لعب فيها المخزن ووكلاء الغرب المحليين دورا بارزا.
1856 - حصلت انجلترا على حق الملكية لرعياها مع الإعفاء من الضرائب، مع عدم المتابعة القضائية، وعينت قنصليين في مختلف الموانئ المغربية الذين أعطيت لهم منذ 1863 صفة الوزراء المقيمين.
1860 - قدمت الأبناك الإنجليزية للسلطان قروضا مهمة (مضمونة بالحقوق الجمركية) لأداء التعويضات التي طلبتها انجلترا (!!) بعد ما أصاب مصالحها في الشمال إثر انتفاضة محلية.
يقول وزير فرنسي في طنجة  "إن مصالح أبناكنا تلتقي اليوم بأهداف سياستنا!".
- حصلت المغرب على قروض جديدة في سنتي 1902 و 1903، مما ساهم في إغراقه في مستنقعات الديون التي يفقد من خلالها استقلال و كرامة شعبه.
يقول Bernard Lupan في كتابه "Histoire du Maroc"
"A partir de ce moment, la crise politique et économique fut aggravée par une crise monétaire, et les emprunts se succéderont aux emprunts, anémiant les finances de l'empire et portant des coups répétés à l'indépendance du pays" P.211.
 -تشجيع وتوسيع عملية الحماية لبناء قاعدة اجتماعية محلية تهيئا للاستعمارالمباشر.
  -في 1881 حصلت 12 دولة اروبية والولايات المتحدة الأمريكية على امتيازات هائلة.
"Les puissances obtinrent le droit de propriété dans tout l'empire. La terre marocaine et les sujets du sultan échappaient ainsi peu à peu à la souveraineté nationale et le Maroc cessait d'être un pays libre".(نفس المرجع)
- استعانة المخزن بأطر أجنبية لتنظيم الجيش وإصلاح الموانئ، والطرق
  -إنشاء أول بنك مغربي في 1863.
"Quant à l'aide nécessaire des cadres étrangers, elle contribue à leur ouvrir le pays" P.217.
 -قبل عقد الحماية، تقرر اقتطاع جزء من عادر بالعرائش في حوزة السلطان كضمانة لدين إزاء فرنسا، لكن السلطان عبد الحفيظ راسل وزير الشؤون الخارجية الفرنسية معبرا عن تنازلات خطيرة مقابل اعتراف فرنسا له بملكيته الخاصة لعادر العرائش.
  -بيع بعض القواد للإخوانMannesmann   عدة قطع من غابات معمورة يمتد على مساحة 1872 هكتار.
 -تقدم الفرنسي ساني SAME بمشروع قصد الحصول على امتياز لإدارة الأملاك المخزنية لمدة 70 سنة، يتم من خلالها إصلاح الأراضي وتجهيزها بوسائل السقي وتشييد الطرقات والبنايات الضرورية للفلاحة واستخدام التقنية الحديثة في ميدان الزراعة والزيادة في وثيرة الإنتاج، و ستقدم شركته ريعا سنويا للحكومة المغربية، كما ستتقاضى من الفلاحين كراء مقابل ما تقوم به من الأشغال، وسيزيد ثمن هذا الكراء تبعا لهذه الإصلاحات وفي حالة نشوب نزاع، فإن الأمر يعرض على المحاكم الفرنسية.
 -في الوقت الذي اشتغل فيه السلطان عبد العزيز في معارك عائلية حول العرش بتعزيز من طرف الأطر العسكرية الغربية، كانت الجيوش الفرنسية تتغلغل شرقا والإسبانية شمالا، ولم يبقى أمام السكان إلا الاعتماد على قواهم الذاتية لمحاربة المستعمر.
 -انقسمت الزوايا فمنها من تزعم المقاومة (الزاوية الدرقاوية بتافيلالت) ومنها من تعامل مع المخزن والاستعمار (الزاوية الشرقاوية بالشاوية والدرقاوية في الشمال).
 -تجند حوالي 5000 مقاتل من طرف مختلف القبائل الشرقية لتحرير بوذنيب (حوالي 60 كلم من قصر السوق : الراشيدية حاليا) في 1908 رغم معارضة ممثلي المخزن في المنطقة.
 ارتفع عدد المقاتلين إلى 15000 ثم إلى 25000 في إقليم تافيلالت.
و قد استمرت المقاومة في الشرق والجنوب (إلى حدود واد نون) إلى الثلاثينات.
- اندلعت المقاومة في الريف ضد الاحتلال الأجنبي وعملائه المحليين: المخزن والزاوية الدرقاوية ، و قد لعب هذان الأخيران دورا مخزيا  ساهم نسبيا في إضعاف المقاومة في الشمال.
 يقول مولاي عبد الرحمان الدرقاوي "مائة نصراني للدار ولا ريفي للدشار" المعزة لا تسلخ من ازليف (يعني الرأس بالأمازيغية) والسلطان لا يمكن أن يكون من الريف".
   إن الثورة الريفية العظيمة ستبقى دائما ملحمة تاريخية و مرجعية للنضال ضد المخزن و ضد المتاجرين بالدين. فقد سبق لهوشي مين، القائد الشيوعي العظيم الذي هزم فرنسا في معركة ديان بيان فو سنة 1954 و الولايات المتحدة الأمريكية 20 سنة بعد، أن قال: لقد تعلمت الكثير من الثورة الريفية.
   إن انتفاضة الريف المجيدة و إعلان الجمهورية يعبران في العمق عن حاجة الشعب المغربي الرافض" للحماية" إلى نظام جديد يوحد و يقود المقاومة ضد المستعمر بعد أن أتضح تفكك الدولة المخزنية و مبايعة الاستعمار من طرف المخزن و الفئات الاجتماعية
المرتبطة به.

 الخلاصة :
تمكن الاستعمار من احتلال المغرب بالتركيز على :
- إغراقه في الديون.
- التغلغل في البادية.
- التحكم في التجارة الخارجية للمغرب.
- توطيد علاقات التبعية مع الكمبرادور و مع مختلف المحميين المحليين.
- فرض اتفاقيات تجارية، وقنصليةغير متكافئة.
- تشجيع وتوجيه الاضطرابات الداخلية.
- التغلغل داخل مختلف أجهزة الدولة المخزنية.
- استسلام السلطان عبد العزيز للوصاية الأجنبية.
- ضعف و تشتت المقاومة الشعبية أمام ضربات المستعمرين، و عمالة المخزن، ومختلف أجهزة الدولة، والشرائح الاجتماعية المرتبطة بها(الأعيان، العلماء و الفقهاء، زعماء اغلب الزوايا...).
ويبقى العامل الرئيسي في احتلال المغرب من طرف فرنسا واسبانيا، هو ضعفه، نظرا لتخلفه على المستوى العلمي، الصناعي والفلاحي، ونظرا لطبيعة نظامه السياسي الطفيلي الانغلاقي، وتخلف قوى الإنتاج، وانعدام تجارب نضالية نقابية وسياسية منظمةوالغياب المطلق لكل أشكال الديمقراطية.

ثانيا : المغرب تحت السيادة الاستعمارية المباشرة 1956-1912

  إن توقيع معاهدة الحماية في 30 مارس 1912، هو تكريس فقط للواقع، فقد تغلغل الجيش الاستعماري في مختلف المناطق منذ سنوات: احتلال فجيج في 1903، وعين بني مطهر في 1904، ومناطق هامة في تافيلالت، ونزلت الجيوش الاستعمارية في الشاوية، واحتلت أجزاء مهمة في الشمال من طرف اسبانيا، وأمام السخط الشعبي وتطويق فاس التي تحصن فيها السلطان رمز المخزن الذي تعامل مع الأجانب، وقع هذا الأخير معاهدة الحماية (حماية المخزن من طرف القوى الاستعمارية أمام الشعب الغاضب).
إن احتلال المغرب أدى بطبيعة الحال إلى دخول نمط إنتاج جديد، وهو الرأسمالية، نتج عن كل هذا تحولات عميقة في المجتمع، وعلى كافة الأصعدة.

-1 الفلاحة :
   يملك الأوروبيون قبل 1914 حوالي 80.000 هـ وذلك في الغرب، الشاوية، دكالة وعبدة.
خلال الحرب الأولى استولى المعمرون على 70.000 هـ جديدة.
وقد شمل الاستيطان الفلاحي الخاص والعمومي حوالي مليون وثمانين ألف هـكتار (1.080.000 هـ) من أجود الأراضي: 210 000 هـ في ضواحي فاس- مكناس، 200 000 في الغرب، 130 000 في الشاوية هذا إضافة إلى المساحات الشاسعة التي أصبحت في حوزة القواد الكبار ورموز المخزن، مثل الكلاوي الذي أصبح تحت تصرفه، هو وصهره حمو، أكثر من 7000 هـ.
  وهكذا ظهر قطاع فلاحي عصري، الرأسمالية الزراعية، وظهرت معه طبقة اجتماعية جديدة تتكون من آلاف العمال الزراعيين.
  لقد قدر عدد الفلاحين المعدمين (بدون أرض) بـ 33% في بداية الثلاثينات، وهذا جيش احتياطي هائل من اليد العاملة للمعمرين في البادية، وللرأسماليين في المدينة.
إن قوى الإنتاج عرفت ثورة حقيقية في البادية المغربية (استعمال آليات حديثة، الأسمدة، خلق تعاونيات، إنتاج مواد مطلوبة في السوق الخارجية كالخمر، والحوامض).
بجانب هذا القطاع المزدهر، نجد قطاع تقليدي مهمش يستعمل دائما المحراث الخشبي والدواب لإنتاج الحبوب من أجل الاكتفاء الذاتي، أو تربية المواشي في نفس الظروف العتيقة.
 من أمثلة النهب الذي تعرضت له الأراضي الفلاحية:  طلب Pierre Maître في بداية 1925 من الحكومة أن تفوت له كملكية خاصة 75000 هـ من أجود الأراضي، وأن تعترف له بحق التنقل في 385000 هـ وحق استغلال البقع التي يراها مناسبة لمشروعه، والحق في عيون المياه الجوفية، واستثمار 3000 لتر في الثانية من مياه واد ملوية وواد ملولو و 80% من صبيب واد زا، وبناء سد حمولته 20 مليون متر مكعب على نفقات الدولة لتنظيم صبيب واد زا.
وقد فوتت له الدولة، بالفعل في 1928، 20.000 هـ، وحق استثمار 1750 لتر في الثانية من مياه واد ملوية وواد ملولو وواد زا، كل هذا مقابل إحياء (!!) هذه الأراضي وتربية 10.000 رأس من الغنم.
  والمثل الثاني تلخصه رسالة ليوطي إلى المسؤولين في الاتحاد الاستعماري الفرنسي "Union Coloniale Française" يوضح فيها أنه تم بقبيلة بني مطير الاستيلاء على  000 20 هكتار و أنه لم يبقى لهذه القبيلة الا الحد الأدنى مما قد تحتاجه لفلاحتها وماشيتها.
إن سياسة ليوطي كانت تشجع الرأسمالية الكبرى في البادية، إلا أن رسالة وزير الخارجية الموجهة إلى نائب منطقة لاجيروند الفرنسية بتاريخ 26 فبراير 1926، تؤكد على أهمية المستوطنات المتوسطة والصغرى، وعلى ضرورة تقديم كل التسهيلات للمستفيدين، لهذا نجد معدل المستوطنات الخاصة تقل عن 200 هـ.
"هكذا يبدو جليا أن الأرض أصبحت موضع مضاربات ومحل احتكار واغتصابات، فالمخزن قد رهن جزءا من التراث العقاري وباع جزءا آخر منه، مما يشهد على ضعف الدولة التي صارت مجرد شبح.
كان الأعيان بدورهم، يتعاملون مع البرجوازية الأروبية ويتواطئون معها، وذلك على حساب الفئات المستضعفة.
كل هذا أدى إلى تفويت جزء من الأراضي المغربية إلى شركات رأسمالية أو خواص أجانب ومن ثم إلى بداية دمج المغرب في السوق الرأسمالية العالمية، وكذا إلى بداية تكون "برجوازية زراعية" محلية".
عبد الجليل حليم (البادية المغربية عبر التاريخ ص (158-159.

-2 المعادن والصناعة:
  اهتم المستعمر بالثروات المعدنية الوافرة بالمغرب:
1920 - إنشاء المكتب الشريف للفوسفاط الذي أصبح فيما بعد المنتج الثاني للفوسفاط في العالم، ويستعمل في الإنتاج  حوالي 13 000 عامل.
1925 - بدأ استغلال مناجم جرادة، البترول، الرصاص الخ.
 1945 - بدأ استغلال الحديد في الشمال.
وقد ازدهرت بعض الصناعات، خصوصا في الدار البيضاء (القطاع الكيماوي، النسيج الخ).

-3 الصناعة التقليدية والتجارة:
  رغم ظهور صناعة النسيج، فإن الصناعة التقليدية تبقى مهمة، حيث كانت تشغل الآلاف من المواطنين في أهم المدن المغربية.
لقد تحكمت المقاولات الاستعمارية في التجارة الخارجية، وتضرر من ذلك التجار الكبار المغاربة، كما ظهرت في أهم المدن وحدات التوزيع الرأسمالية.
وقد انتقلت إلى المغرب بعض الوحدات الصناعية الصغرى والمتوسطة إبان الحرب العالمية الثانية، خوفا من انعكاسات الحرب.
  يشكل الرأسمال الفرنسي 90% من مجموع رؤوس الأموال الخارجية، يدبر الجزء الأكبر منها من طرف بنك باريس La Banque de Paris et des Pays-Bas ومن طرف البنك العام للمغرب BGM وامنيوم شمال إفريقيا (ONA).


-4 التحولات الاجتماعية:
   يقدر عدد السكان في بداية القرن العشرين بحوالي 3.000.000 نسمة و 000 300 5 نسمة
في 1921 بينهم 460.000 أجنبي، و تقدر نسبة الحضريين منهم بـ 9%، ثم 14% سنة 1936 ثم 18% في سنة 1941.
  يقدر عدد العمال المتوفرين على شغل دائم في إطار الوحدات الرأسمالية الصناعية بحوالي 84.000 سنة 1932. وبجانب هؤلاء يوجد أعداد هائلة من المياومين.
  إن جيوش الفلاحين المتضررين من سياسة نزع الأراضي من طرف المعمرين، ومن التسلط الإداري للقواد الكبار، اتجهت نحو المدن لتتمركز في أحياء قصديرية لا تتوفر فيها أدنى شروط الحياة الكريمة، وتشكل فيما بعد القاعدة الاجتماعية للمقاومة الوطنية.
  لقد تم القضاء على المقاومة "القبلية" بشكل نهائي في بداية الثلاثينات (معارك الأطلس الكبير وسفوحه الشرقية)، وانتقلت المقاومة بأشكال أخرى إلى المدن.
  إن التحولات العميقة التي أحدثتها الرأسمالية في المجتمع المغربي، قد قلصت نسبيا من العلاقات القبلية (علاقة الدم) بين الأفراد، لصالح علاقات جديدة: علاقات طبقية (مصلحية، فئؤية) وعلاقات وطنية، ولا شك أن الثورة الريفية العظيمة، وإعلان مبادئ الجمهورية الريفية لعب دورا مهما في زعزعة العقلية السائدة.
  وهكذا عرف المغرب منذ الثلاثينات حركة مناهضة للاستعمار شملت المثقفين (معربين وغير المعربين) ومختلف الطبقات الوطنية، وساهمت الجمعيات وبعض الجرائد الوطنية في نشر الوعي بضرورة التحرر من قبضة الاستعمار.
لقد صاحب دخول الرأسمالية إلى المغرب، النضال النقابي والتنظيم النقابي رغم منعه على المغاربة، إلا أن الكثير منهم التحق بصفوف الكونفدرالية العامة للشغل الفرنسية المؤطرة من طرف الشيوعيين.

  ومنذ بداية الأربعينات، احتد الصراع بين مختلف الطبقات الوطنية من جهة، والسلطات الاستعمارية وركائزها المعمرين الأجانب والملاكين الكبار المغاربة وفئة الموظفين الكبار من جهة أخرى.
  وقد تولدت عن هذه المتناقضات والصراعات، حركة المقاومة المسلحة في المدن التي لعبت فيها البرجوازية الصغيرة، أشباه البروليتاريا والمهمشين دورا أساسيا، كما تولد عنها الكفاح المسلح الذي خاضه جيش التحرير في البادية والذي لعب فيه الفلاحون الفقراء والمعدمون دورا أساسيا.
  إن قيادة البرجوازية الوطنية (التجارية والصناعية) للحركة الوطنية أفرغت هذه الأخيرة من طابعها الاجتماعي التقدمي ومن أبعادها التحررية الحقيقية.
  لقد دخلت قيادة حزب الاستقلال في توافقات مشبوهة مع ممثلي الاستعمار والمخزن، نتج عنها استقلال مشوه أوصلنا إلى ما نحن فيه اليوم.

  إن الطبقة العاملة المغربية لم تلعب دورها القيادي، نظرا لحداثة نشوئها، ونظرا كذلك للمواقف المتدبدبة لقيادة الحزب الشيوعي المغربي من المطالبة بالاستقلال ومن المسألة النقابية، رغم ما كان للحزب من تواجد لا بأس به داخل الطبقة العاملة، وداخل العمال الزراعيين والفلاحين الفقراء، وشباب الأحياء: الغرب، مكناس، تادلةإلا أنه لا يمكن نسيان النضالات الهامة التي خاضتها الطبقة العاملة المغربية بعد الحرب العالمية الثانية، وذلك رغم الصعوبات التنظيمية التي كانت تعاني منها.
 -يتبع-

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire